ابراهيم بن محمد البيهقي
178
المحاسن والمساوئ
أشمّ طوال السّاعدين كأنّما * يناط نجادا سيفه بلواء فخلع عليه الرشيد ووصله بعشرة آلاف درهم والفضل بمثلها ، فنظر إلى جارية تختلف كأنها لؤلؤة فقال : يا أمير المؤمنين أنا ميت في ليلتي هذه فإذا مت فمر أن أدفن في بطن هذه الجارية . فقال له الرشيد : خذها لا بارك اللّه لك فيها ! قال أبو نواس فأخذتها وانصرفت بمثل الشمس حسنا وفي منزلي غلام مثل القمر ، فلقيني محمد بن يسير الشاعر فقال : أتيتك مهنئا بما حباك به أمير المؤمنين . فقلت : نعمة تتبعها نقمة . قال : ولم ذلك ؟ فقلت : عندي غلام مثل القمر وهذه مثل الشمس وإن جمعتها أتخوف ما تعلم وإن أفردت الجارية لم آمن عليها وغلامي لا بد منه . قلت : اجعلها عند بعض إخوانك إلى وقت حاجتك إليها . قلت : فلعل الحارس هو المتحرس منه . قال : فصيرها عند عجوز تثق بها ، قلت : لعلي أسترعي الذئب ! قال : ثم افترقنا ، فالتقى معه أبو نواس بعد ثلاثة أيام فقال له : يا محمد بن يسير ما على الأرض شر منك ، شاورتك في أمر فلم تفتح علي فيه شيئا فلما فارقتك ازدحم علي الرأي المصيب . قال محمد : فما ذا صنعت ؟ قال : زوجت الشمس من القمر فحصلتهما لأقضي بهما وطري ! قال : كان الشيء عليك حلال فجعلته حراما . قال : يا أحمق شاورتك في الحلال والحرام ! إنما قلت كيف الرأي في تحصيلهما ! ثم أنشأ : زوّجت هذاك بهذه لكي * أنكح ثنتين فثنتين أنكح هذه مرّة ثمّ ذا * أدير رمحا بين صفّين متّعت نفسي بهما لذّة * يا من رأى مطلع شمسين وحدثنا محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وهو أمير البصرة قال : كان بالبصرة رجل من بني تميم وكان شاعرا ظريفا وكنت آنس به فأردت أن أخدعه فقلت : يا أبا نزار أنت شاعر وظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما يمنعك منه ؟ قال : ما عندي ما أتحمل به . قلت : أنا أعطيك نجيبا فارها ونفقة سابغة تخرج إليه وقد امتدحته فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك . قال : واللّه أيها الأمير إني لا أظنك صادقا . قلت : أجل ، فدعوت بنجيبة فارهة . فقال : هذه إحدى الحسنيين فما بال الأخرى ؟ فدعوت له بثلاثمائة درهم . قال : وهذه الثانية ، قال : أحسبك أيها الأمير قصرت في النفقة . قال : هي لك كافية إن قبضت يدك عن السرف . قال : ومتى رأيت السرف في أكابر بني سعد فكيف في أصاغرها ؟ فأخذ النجيبة والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بطويلة فأنشدنيها وحذف منها ذكر ري . فقلت له : ما صنعت شيئا . قال : وكيف ذلك ؟ قلت : تأتي الخليفة وأنت وافد فلا تثني على أميرك ! قال : أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خداعا . أما واللّه ما لكرامتي حملتني وجدت لي بمالك